حكمة قاضِ 
قصة وعِبرة

ـــــــــــــــــ
أراد أحد الأُمراء أن يتحقق بنفسه من صحة ما قيل له، عن وجود قاضِ عادل فى إمارته،
ولا يستطيع أحد من المحتالين خداعه،
فتنكر فى زى تاجر، وامتطى جواده،
 وعند مدخل المدينة اقترب منه رجل كسيح يلتمس صدقة، فإذا الكسيح يتشبث بردائه.
إلتفت التاجر الى الكسيح، وسأله ما الذى تريده بعد؟ ألم اعطيك صدقة؟

قال الكسيح: بلى، ولكن اعمل لى معروفا،

وخذنى الى ساحة المدينة، فأجابه إلى طلبه، وأردفه خلفه،

وفى الساحة رفض الكسيح النزول عن ظهر الجواد.

فنهره التاجر قائلاً: ما الذى يجلسك؟
هيا انزل، لقد وصلنا.
قال الكسيح: ولم النزول والجواد ملكى؟
وعندما احتد بينهما النقاش، تجمع الناس حولهما، واقترحوا عليهما بالذهاب الى القاضى.

مضى الاثنان الى القاضى، وكان الناس متجمعين فى المحكمة،

والحاجب ينادى على المتخاصمين حسب الدور،

فاستدعى القاضى نجارًا وسمانًا، كانا يتنازعان نقودًا بيد النجار.
قال النجار: إشتريت من هذا الشخص سمنًا،
وعندما أخرجت محفظتى لأنقده الثمن،

اختطفها من يدى محاولًا انتزاع النقود، وهكذا جئنا اليك،

يده على يدى ومحفظتى، ولكن النقود نقودى .
أما السمان: فقال هذا كذب.

جاء النجار إلى ليشترى سمنًا، وبعد ان ملأت له إبريقا كاملًا،
طلب منى أن أفك له قطعة ذهبية، فأخرجت المحفظة،
ووضعتها على الطاولة فاخذها وأراد الهرب، فأمسكت به من يده، وجئت به الى هنا.
صمت القاضى، ثم قال: اتركا النقود هنا، واحضرا غدا.
وعندما حان دور التاجر والكسيح، قص التاجر ما حدث، ثم أشار القاضى للكسيح ان ياتى بحجته.

قال الكسيح: هذا كذب كله، كنت ممتطيًا جوادى فى ساحة المدينة،
أما هو فقد كان جالسًا على الأرض، فطلب مني أن أحمله،
 فسمحت له بركوب الجواد، ونقلته إلى المكان الذى يرغب،
ولكنه لم ينوي النزول، وادعى ملكيته للجواد.
فكر القاضى، ثم قال: اتركا الجواد عندى، واحضرا غدًا.
فى اليوم التالى إجتمع المتخاصمون للإستماع إلى حكم القاضى، فتقدم النجار والسمان اولًا لمعرفةالحكم.
قال القاضى للنجار: النقود ملكك، ثم أشار إلى السمان قائلا: أما هذا فاضربوه بالعصا خمسين مرة.
ثم استدعى الحاجب التاجر والكسيح، فوقفا بين يدى القاضى لسماع الحكم.
سأل القاضى التاجر: هل تسطيع معرفة جوادك من بين عشرين جواد؟
قال التاجر: نعم.
سأل القاضى الكسيح: وانت؟
قال الكسيح: نعم.

ثم اخذهما القاضى الى الإسطبل، فأشار التاجر فى الحال إلى جواده،
وقد ميزه من بين عشرين جواد، وكذلك تعرف الكسيح الى الجواد.
عاد القاضى إلى مكانه، وقال للتاجر:
الجواد جوادك فخذه، أما الكسيح فاضربوه بالعصا خمسين مرة.
بعد إنتهاء المحاكمة ذهب القاضى إلى بيته، فسار التاجر خلفه.

فالتفت القاضى إليه وسأله: ما الذى تريده؟
أم انك غير راضٍ عن قرارى؟
أجاب التاجر: بلى، ولكننى أردت أن أعلم كيف عرفت ان النقود مال النجار وليست للسمان،
 وأن الجواد جوادى، وليس للكسيح.
قال القاضى: أما أمر النجار والسمان، فقد وضعت النقود فى قدح ماء،
ثم نظرت اليوم صباحًا إلى القدح لآرى ما إذا كان السمن طافيًا على سطح الماء،
فلو كانت النقود عائدة للسمان، لكانت ملوثة بيده الدسمتين،
ولَطّفا السمن فى القدح، وأما معرفة مالك الجواد فكانت اصعب،

فالكسيح أشار مثلك فى الحال إلى الجواد من بين عشرين جوادًا،
 ولكننى لم أقدكما إلى الإسطبل لآرى ما إذا كنتما ستتعرفان على الجواد؛
بل لآرى أيكما سيتعرف عليه الجواد؛
 عندما اقتربت انت منه إلتفت برأسه،
ومد إليك، وعندما اقترب الكسيح إليه رفع أُذنيه مستنكرًا، وهكذا عرفت أنك صاحب الجواد.
فقال التاجرآنذاك: أنا لست تاجرًا، بل أنا أمير البلاد، جئت إلى هنا لأعرف حقيقة ما يقال عنك،
وها أنا آرى الأن انك قاضٍ حكيم، فاطلب مني ما شئت لأكافئك به.

قال القاضِ: شكرًا لك أيها الأمير, فأنا لا أحتاج مكافأة على أداء عملي بصدقٍ واخلاص.
.
"تمت".
اقتباسات واقوال
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اقتباسات واقوال .

جديد قسم : قصص وعبر

إرسال تعليق