حكاية أحد الحُجاج مع الحَيَّاتْ والعجوز!

حكاية أحد الحُجاج مع الحَيَّاتْ والعجوز!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومما يُحكى أن رجلًا من الحُجاج نام نومة طويلة ثم انتبه فلم يرَ للحجاج آثر.
فقام يمشي فضّلّ عن الطريق.
وصار يسير إلى أن رأى خيمة ورأى إمرأة عجوزًا على باب الخيمة ووجد عندها كلبًا نائمًا
فدنى من الخيمة,
ثم سلم على العجوز,
وطلب منها طعامًا فقالت:
امضي إلى ذلك الوادي واصطد من الحّيَّات (*جمع حية) بقدر كفايتك لأشوي لك منها وأطعمك.
فقال لها الرجل:
أنا لا أجسر على أن أصطاد الحَيات وما أكلتها قط فقالت العجوز:
أنا أمضي معك وأتصيد منها فلا تخف.
ثم إنها مضت معه فتبعها الكلب فاصطادت من الحيات بقدر الكفاية وجعلت تشوي منها,
فلم يرى الرجل الحاج من الأكل بدًا وخاف من الجوع والهزال فأكل من تلك الحَيات,
ثم انه عطش فطلب من العجوز ماء ليشرب فقالت له:
دونك والعين فاشرب منها.
فمضى إلى العين فوجد ماءها مُرًّا ولم يجد له من شربه بدًا مع شدة مرارته

لما لحقه من العطش,
فشرب ثم عاد للعجوز وقال لها:
عجبًا منكِ ايتها العجوز ومن مقامك بهذا الموضع ومكثك في هذا المكان,
وإغتذائك بهذا الطعام وشربك من هذا الماء قالت له العجوز:
فكيف تكون بلادكم؟
قال لها: إن في بلادنا الدور الواسعة الرحبة والفواكه اليانعة اللذيذة والمياه الغزيرة
العذبة والاطعمة الطيبة واللحوم السمينة والغنم الكثيرة وكل شيء طيب والخيرات الحِسان
اللاتي لا يكون مثلهن إلا في الجنة التي وصفها الله تعالى لعباده الصالحين,
فقالت العجوز: قد سمعت هذا كله فقل لي:
هل يكون لكم من سلطان يحكم عليكم ويجور في حكمه وأنتم تحت يده وإن أذنب أحد منكم
أخذ أمواله وأتلفه وإذا أراد أخرجكم من بيوتكم واستأصل شأفتكم؟
فقال لها الرجل: قد يكون ذلك.
فقالت العجوز: إذًا والله يكون ذلك الطعام اللطيف والعيش الظريف والنِعم اللذيذة
مع الجور والظلم سُمًا ناقعًا وتعود أطعمتنا مع الأمن درياقًا (*الدرياق والترياق واحد) نافعًا,
أما سمعت أن أَجَّلَ النِعم بعد الإسلام:

الصحة والأمن؟
وإنما يكون هذا من عدل السلطان خليفة الله في أرضه وحسن سياسته.
وكان من تقدم من السلاطين يحب أن يكون له أدنى هيبة بحيث رأته
الرعيِّة خافوه.
وسلطان هذا الزمان يحب أن يكون له أوفى سياسة وأتم هيبة,
لأن الناس الآن ليسوا كالمتقدمين وزماننا هذا زمان ذوي الوصف الذميم
والخَطب الجسيم حيث إتصفوا بالسفاهة والقساوة,
وأنطووا على البغضاء والعداوة,
وإذا كان السلطان والعياذ بالله تعالى بينهم ضعيفًا أو غير ذي سياسة وهيبة,
فلا شك في أن ذلك يكون سببًا في خراب البلاد.
وفي الأمثال:
جور السلطان مائة سنة ولا جور الرعية بعضهم على بعض سنة واحدة.
وإذا جارت الرعية سلط الله عليهم سلطانًا جائرًا وملكًا قاهرًا,
كما ورَد في الأخبار ان الحَجاج بن يوسف رفعت إليه في بعض الأيام
قصة مكتوب فيها:
إتقي الله ولا تجُر على عباد الله كل الجور.
فلما قرأ القصة رقيَّ المنبر وكان فصيحًا فقال:
أيها الناس, إن الله تعالى سلطني عليكم بأعمالكم,
فإن أنا مت فأنتم لا تخلصون من الجور مع هذه الأعمال السيئة
لأن الله تعالى خلق أمثالي خلقًا كثيرًا.
وإذا لم أكن أنا كان من هو أكثر مني شرًا وأعظم جورًا وأشد سطوة
كما قال الشاعر في معنى ذلك:

(وما من يد إلا يد الله فوقها .. وما ظالم إلا سيُبلى بظالم)

والجور يخاف منه والعدل أصلح كل شيء نسأل الله
أن يصلح أحوالنا.
.
"تمت".
.
من كتاب/ ألف ليلة وليلة "الجزء الثاني" ص 446
اقتباسات واقوال
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اقتباسات واقوال .

جديد قسم : قصص وعبر

إرسال تعليق